ابن تيميه

32

الرد على الأخنائي قاضي المالكية

كان مبعوثا إلى الأميين لا إليهم ، فهم يعظّمونه ظاهرا وباطنا ، لكن يقولون لا يجب علينا اتباعه ؛ وهؤلاء كفّار بإجماع المسلمين . وكذلك كثير ممن يظهر الإسلام يثبتون نبوته على رأي الفلاسفة ، وأنه كان صاحب قوة قدسية ، وقد يفضّلونه على جميع الخلق ، ومع هذا لا يقرّون بما جاء به ولا يوجبون على أنفسهم اتّباعه ظاهرا وباطنا ، ويقولون هو رسول إلى العامة أو إلى الجميع في الشرائع الظاهرة دون الحقائق الباطنة والحقائق العقلية ، كما يقول مثل هذا كثير ممن يظهر الإسلام ، وهؤلاء من أشدّ الناس تعظيما للقبور والسفر إليها ودعاء أصحابها ، ولهم في ذلك كلام ذكرناه في غير هذا الموضع ، وهؤلاء وأمثالهم قد يقولون إن زيارة قبره وقبر من هو دونه أفضل من الحج إلى البيت الحرام ومن صلاة الجمعة والجماعة في مسجده وغير مسجده . [ الفرق بين زيارة مسجد النبي صلى اللّه عليه وسلّم وبين زيارة قبره ] والمقصود أن هذا المعترض وأمثاله لم يفرقوا بين السفر إلى مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم وزيارته المجمع على استحبابها وبين السفر إلى زيارة قبر غيره ، وإن كان عنده مسجد فإن ذلك مجمع على عدم استحبابه بل سووا بين المستحب بالنص والإجماع ، وبين ما ليس بمستحب بالنص والإجماع ، وظنوا أن المجيب سوى بينهما في نفي الاستحباب فقابلوه بأن سووا بينهما في الاستحباب فوقعوا في أنواع من الباطل المخالف للكتاب والسنة والإجماع . ولو قال قائل : إن إتيان المساجد لا يستحب ولا يشرع كان كافرا حلال الدم ، ولو قال لا يسافر إلى مسجد إلا إلى ثلاثة مساجد لكان قد قال ما قاله الرسول صلى اللّه عليه وسلّم وقاله علماء المسلمين ، فمن لم يفرق بين هذا وهذا كان أجهل الناس . وكذلك لو قال : لا يستحب السفر إلى مسجد الرسول صلى اللّه عليه وسلّم وزيارته المشروعة في المسجد كالصلاة والسلام كان مخالفا للإجماع . لكن من العلماء من لا يسمّي هذا زيارة لقبره ويكره هذه التسمية وهذا القول أشبه بالمعقول والمنقول . ولو قال يستحبّ السفر إلى جميع القبور والصلاة في المساجد المبنية عليها لكان مخالفا للنص والإجماع . وهب أن المعارض سوى بينهما في نظره ، وجوابه كيف يحلّ له أن يكذب على غيره ويحكي عنه التسوية بينهما في التحريم ويقول إنه حكى إجماع المسلمين على تحريم الزيارة مطلقا بسفر وغير سفر ؟ ونحن نحكي لفظ الجواب الذي اعترض عليه لينظر ما نقله عنه وأبطله منه هل هو صدق وعدل ، أم لا ؟ ولفظ السؤال : ما تقول السادة العلماء في رجل نوى زيارة قبور الأنبياء والصالحين مثل قبر نبينا صلى اللّه عليه وسلّم وغيره ، فهل يجوز له في سفره أن يقصر الصلاة ؟ وهل